محمد سعيد رمضان البوطي
205
فقه السيرة ( البوطي )
رابعا : يستدل مما سبق أن للأسير في يد العدو أن يمتنع من قبول الأمان ، ولا يمكّن من نفسه ولو قتل ، ترفعا عن أن يجري عليه حكم كافر ، كما فعل عاصم . فإن أراد الترخص ، فله أن يستأمن ، مترقبا الفرصة مؤملا الخلاص كما فعل خبيب وزيد . ولكن لو قدر الأسير على الهرب لزمه ذلك في الأصح ، وإن أمكنه إظهار دينه بينهم ، لأن الأسير في يد الكفار مقهور مهان ، فكان من الواجب عليه تخليص نفسه من هوان الأسر ورقه « 1 » . خامسا : إذا تأملنا في جواب زيد بن الدثنة لأبي سفيان ، قبيل قتله - علمنا مدى المحبة التي كانت تنطوي عليها أفئدة الصحابة لرسولهم صلى اللّه عليه وسلم ، ولا ريب أن هذه المحبة من أهم الأسباب التي حببت إلى قلوبهم كل تضحية وبذل في سبيل دين اللّه تعالى والدفاع عن رسوله ، ومهما بلغ المسلم في إيمانه ، فإنه بدون مثل هذه المحبة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعتبر ناقص الإيمان ، وإنها لحقيقة صرح بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ قال : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ووالده والناس أجمعين » « 2 » . سادسا : دلّ ما ذكرناه من أمر خبيب أيام كان أسيرا في مكة ، أن كل ما أمكن أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي ، مع فارق أساسي لا بد منه ، وهو أن معجزة النبي تكون مقرونة بالتحدي وعدوى النبوة ، أما كرامة الأولياء والصالحين فتأتي عفوا دون أن تقترن بأي نوع من التحدي ، وهذا ما جرى عليه جمهور أهل السنة والجماعة ، ولا أدلّ عليه من هذا الذي أكرم اللّه به خبيبا قبيل قتله ، وهو ثابت كما رأيت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره . سابعا : قد يتساءل البعض : فما الحكمة في تمكين يد الغدر من هؤلاء الفتية المؤمنين الذين لم يخرجوا إلا استجابة لأمر اللّه ورسوله ؟ وهلّا مكّنهم اللّه من أعدائهم ليتغلبوا عليهم ؟ . . والجواب : هو ما كنا ذكرناه أكثر من مرة ، من أن اللّه تعالى تعبّد عباده تحقيق أمرين اثنين : إقامة المجتمع الإسلامي ، والسعي إلى ذلك في طريق شائكة غير معبّدة ، والحكمة من ذلك : أن تتحقق عبودية الإنسان للّه تعالى ، وأن يمحّص الصادقون عن
--> ( 1 ) انظر نهاية المحتاج للرملي : 8 / 78 . ( 2 ) متفق عليه .